Rsultats de 1 8 sur 8

Sujet : قاعدة المشقة تجلب التيسير

  1. #1
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut قاعدة المشقة تجلب التيسير

    <HR SIZE=1>
    <!-- / icon and title --><!-- message -->بسم الله الرحمن الرحيم

    مقدمـــة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
    أبتدأ بإذنه أول محاولة راجيا منه سبحانه و تعالى التوفيق فأقول:
    إن الفقه من أجل العلوم الشرعية على الإطلاق، وأولاها بالتفضيل على الاستحقاق، وأرفعها قدرا بالاتفاق، وهذه الأفضلية والأشرفية غنية عن التدليل والبرهان، إذ هي نابعة من كون الفقه الطريقة المثلى لحل أمور الناس ومشاكلهم وفق التشريع الرباني المنزل على خير البرية صلى الله عليه وسلم، وقد نتج عن معالجة مشاكل الناس هاته وفق التشريع الإلهي من لدن الصحابة إلى عصرنا هذا ثروة فقهية ضخمة وعظيمة، وهذه الثروة دائما في ازدياد بسبب مستجدات العصر.. فوجد العلماء كثيرا من المسائل والفروع الفقهية بحيث يضيق الفقه عن ضبطها وحصرها، لهذا لفت العلماء الفطاحل نظر الفقيه إلى ما يضبطها، فوضعوا له هذه القواعد، والتي تنضبط تحتها كثير من الفروع الفقهية
    وقد تنبه العلماء المهتمين بالقواعد الفقهية إلى أن هناك قواعد كلية وأساسية تعتبر من أمهات القواعد الفقهية،( ) "وهذه القواعد لها قيمة كبرى في الفقه، فهي ثروة فقهية عظيمة، وزاد فكري خصب تكون معينا لا ينضب وضابطا عاما يساعد كثيرا في ضبط المسائل الفقهية التي لم يرد فيها نص، وهي تمثل روح التشريع وتعبر عن مقاصده التي يرمي إلى تحقيقها، وتشتمل على أسراره وحكمه، فهي عظيمة النفع جليلة الشأن يتحصل بفهمها والإحاطة بها ملكة الفقيه، وبقدر فهمها والإحاطة بها قدره وتعلو مرتبته، ويتسع أفقه...".( )
    قال القرافي : "وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء... وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع، واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى"( )
    ومن بين أمهات القواعد الفقهية، قاعدة، المشقة تجلب التيسير : والتي اخترتها موضوعا لهذا العرض، للأسباب التالية :
    احتلال هذه القاعدة مكانة متميزة بين القواعد الفقهية حيث قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشارع وتخفيفاته.( )
    الرغبة الملحة في التعرف أكثر على مكانة هذه القاعدة الفقهية بين القواعد الكلية
    التأكيد على أن القواعد الفقهية استمدت قوتها ومكانتها من حقيقة كونها مستنبطة من القرآن والسنة
    توجيه النظر إلى أن القواعد الفقهية شرعية وكونية، لنكون على ثقة دائما أنها صالحة في كل زمان ومكان لضم الفروع الفقهية المستجدة
    وقد عالجنا موضوع العرض في مقدمة وأربعة مباحث في المقدمة تناولنا أهمية القواعد الفقهية عموما، وبينا فيها مسوغات اختيارنا لقاعدة : المشقة تجلب التيسير. وبينا فيها أيضا منهجية العرض
    وفي المبحث الأول : حاولنا أن نبين معنى قاعدة المشقة تجلب التيسير ومكانتها بين القواعد الفقهية
    وأما المبحث الثاني : فخصصناه للاستدلال للقاعدة
    وخصصنا المبحث الثالث : لأهم الأركان المرتبطة بالقاعدة والتي بجهلها لا يحصل فهم القاعدة فهما صحيحا. فدرسنا ركنين أساسيين هما : المشقة والرخصة. وأما المبحث الرابع : فتضمن تطبيقات فقهية للقاعدة مع بيان أهم القواعد المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير
    وختمنا البحث بخاتمة تضمنت أهم الخلاصات والاستنتاجات التي توصلنا إليها من خلال هذه الدراسة المقتضبة. وكل ذلك حاولنا أن نتناوله باختصار تجنبا للحشو والإطناب، وإلا فالموضوع يصلح لرسائل وأطروحات، نظرا لمكامن القوة والوفرة في المادة العلمية المتعلقة به...
    هذا، ولم نأل في ابتدار المقصود جهدا لمقلين جادا بالموجود والمتيسر من الجهد والوقت، والله نسأل أن ينفع بهذا البحث من قرأه أو جمعه أو حصله أو سعى في شيء منه، والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لما فيه الخير في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه


    يتبع إن شاء الله

  2. #2
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut

    المبحث الأول

    في بيان معنى قاعدة "المشقة تجلب التيسير" ومكانتها بين القواعد الفقهية
    .
    المطلب الأول : معنى القاعدة في اللغة والاصطلاح

    الفرع الأول : القاعدة وصيغها عند العلماء
    وترد هذه القاعدة بهذه الصيغة : "المشقة تجلب التيسير"( ) ولم نجد بعد البحث والتمحيص صيغا أخرى لهذه القاعدة عدا هذه
    الصيغة
    الفرع الثاني : معنى القاعدة في اللغة
    أ-المشقة : الجهد والعناء، ومنه قوله تعالى : "لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس"( )، وأصله من الشق : وهو نصف الشيء، كأنه قد ذهب نصف أنفسكم حتى بلغتموه، وشق علي الأمر أي : ثقل علي، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي
    لأمرتكم بالسواك عند كل صلاة.( )( )
    ب-تجلب : من الجلب وهو سوق الشيء من موضع إلى آخر، واستجلب الشيء : طلب أن يجلب إليه، والجلائب ما يجلب للبيع
    من كل شيء، وقيل الجلائب، الإبل التي تجلب إلى الرجل النازل على الماء ليس له ما يحتمل عليه فيحملونه عليها.( )


    ج-التيسير : من اليسر : وهو ضد العسر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الدين يسر"( ) وأراد بذلك صلى الله عليه وسلم
    أنه سمح قليل للتشديد.( )

    الفرع الثالث : معنى القاعدة في الاصطلاح
    يقصد بالقاعدة في حال تركيبها مما سبق : "المشقة تجلب التيسير" أن الصعوبة والعناء التي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي
    تصير سببا شرعيا صحيحا للتسهيل والتخفيف عنه بوجه ما.( ) كما أن المعنى الشرعي الذي تفيده قادة المشقة تجلب التيسير :
    "أن الأحكام التي ينشأ عنها حرج ومشقة على المكلف في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو
    إحراج"( ). فالأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف، ومشقة تصيبه في نفسه أو ماله أو ضرورة من ضروراته بسبب
    مرض أو فقر أو ظرف خاص طارئ فالشريعة تخفف هذه الأحكام وتبدلها بما يقع تحت قدرة المكلف تيسيرا عليه ودفعا للإحراج.( ) لأن الشرع لا يقصد إلى إعنات الناس وتكليفهم بما لا يطيقون، بل هو يراعي فيما كلفهم به قدراتهم وطاقاتهم وما به يتحملون

    أعباء التكليف فإذا عجزوا عن شيء من ذلك، انتقل بهم إلى الحد الذي ينتفي معه العجز وتتحقق القدرة.( )



    المطلب الثاني : مكانة قاعـدة "المشقة تجلب التيسيـر" بيـن القواعد الفقهيــة


    إن قاعدة "المشقة تجلب التيسير" هي قاعدة القواعد في الفقه الإسلامي"، تدور عليها جميع الأحكام الشرعية عند حصول المشقة
    الشديدة وقيام الضرورة الملحة، فهي قاعدة فقهية أصولية مقطوع بصحتها لا ينازع في ثبوتها مسلم، لتوفر أدلتها من الكتاب والسنة،
    ( ) على ما سيأتي في المبحث الموالي. إذ تدخل في هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته التي يتمتع بها المكلف عند قيام
    العذر الشرعي.( ) وقد ذكر بعض العلماء أن قاعدة المشقة تجلب التيسير من أمهات القواعد الخمس التي يدور عليها معظم أحكام

    الفقه، وقد نظمها بعض الشافعية فقال

    خمس مقررة قواعد مذهـب****للشافعي فكن بهـن خبيــرا

    ضرر يزال وعادة قد حكمت****وكذا المشقة تجلب التيسيــرا


    والشك لا ترفع به متيقنــا****والقصد أخلص إن أردت أجورا( )

    وإذا تأملنا قليلا القواعد الأربع السابقة، عدا قاعدة : "المشقة تجلب التيسير"، سنرى أن هذه القواعد من حيث صلة بعضها ببعض
    راجعة إلى قاعدة المشقة تجلب التيسير،( ) وبيان ذلك كالاتي *قاعدة الضرر يزال
    وهذه القاعدة يكثر من استعمالها القضاة، حيث يحكم القاضي بإزالة الضرر إذا ثبت له بالفعل ضرر اتباعا للأدلة الشرعية وفق
    ضوابط معينة، وهنا نرى بأن الضرر مشقة وإزالته تيسير، لذلك يتبين لنا بوضوح أن قاعدة الضرر يزال تندرج تحت مظلة قاعدة المشقة تجلب التيسير
    *قاعدة العادة محكمة

    العرف والعادة كان لهما نصيب وافر ملحوظ في تغير الأحكام حسب تغيرهما، لاعتبار الشارع للعرف والعادة في حال عدم
    مصادمتهما للنص الشرعي، وقد تضافرت الأدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة التي تؤكد هذا الأمر، لذلك وضع العلماء قاعدة،

    العادة محكمة واعتبار الشارع لعرف الناس وعاداتهم في بعض أمورهم فيه تيسير من الله تعالى على عباده كما لا يخفى

    *قاعدة اليقين لا يزول بالشك
    وهذه القاعدة ترمي إلى رفع الحرج والمشقة عن المكلف، حيث فيها تقرير لليقين باعتباره أصلا معتبرا، وإزالة للشك الذي كثيرا ما ينشأ عن الوساوس، لاسيما في باب الطهارة والصلاة، ومن المعلوم أن الوساوس داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه فيقع
    المكلف في المشقة، ويجد عناء في أداء الواجبات
    4-قاعدة الأمور بمقاصدها

    إن الشارع لم يعتبر الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه، ويدل على ذلك أدلة من القرآن الكريم
    والسنة المطهرة، لهذا وضع العلماء قاعدة : الأمور بمقاصدها، وفي هذه القاعدة رفع الحرج عن المكلف، فإلزام المكلف بما لا يقصد فيه حرج، وعدم اعتبار ما قصد فيه حرج أيضا... ومن هنا أمكننا القول بأن قاعدة : "المشقة تجلب التيسير" تتربع على قمة
    هرم القواعد الفقهية الكلية : الضرر يزال-العادة محكمة-اليقين لا يزول بالشك-الأمور بمقاصدهاالمبحث الثاني : الاستدلال
    لقاعدة : "المشقة تجلب التيسير"
    لقد قامت الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة من الكتاب والسنة والإجماع، وصار ذلك مقطوعا به في الدين الإسلامي الحنيف،

    وعمومات الشريعة النافية للحرج، ومشروعية الرخص كلها تشير إلى أن الله تعالى شرع الأحكام ميسرة سهلة مبنية على اليسر
    والسماحة، وأن هذا أصل من أصول الشريعة، فإذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق. وهذا قول الشافعي، وقال الشاطبي : "إن
    الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع"( )

    فقاعدة المشقة تجلب التيسير وهي قاعدة أصولية وفقهية- صارت أصلا مقطوعا به لتوافر الأدلة عليها من الكتاب والسنة
    والإجماع ومشروعية الرخص. وعليه فإن كل الأدلة الواردة في القرآن الكريم أو السنة المطهرة والدالة على رفع الحرج ويسر الشريعة تقف دليلا صالحا يستدل به على هذه القاعدة. ويمكن أن نقسم هذه الأدلة الشرعية إلى أدلة واردة في القرآن وأخرى واردة
    في السنة المطهرة

    المطلب الأول : من الكتـــاب

    لقد دل على هذه القاعدة كثير من آيات الله، في الكتاب المبين، ومن ذلك قوله تعالى : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"( )

    ، وقال تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"( )، وقال سبحانه : "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا"( )

    وقال جل في علاه : "يريد الله أن يخفف عنكم"( ) وقوله عز وجل "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج"( )، وقال سبحانه :

    ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم"( )، وقال سبحانه : "وما جعل عليكم في الدين من حرج"( )، وقال تعالى :
    "ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج"( )... إلى غير ذلك من الآيات التي تدل في مجملها
    على أن الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام سهلة وميسرة على العباد، فما من عمل من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهو في وسع
    المكلف وفي مقتضى إدراكه، ودلت كذلك على أن الحرج مرفوع من هذه الأمة في كل ما يلحق ضيقا بالمكلف في نفسه أو جسمه
    أو بهما معا في الدنيا والآخرة، حتى لا يؤدي التكليف بما هو شاق إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه وعن العبادات الأخرى وعن المصالح الأخرى الدنيوية أو إلى وقوع خلل في عقل الإنسان وجسمه أو الإخلال بالواجبات والالتزامات تجاه أولاده وزوجته
    ومجتمعه.( )
    يتبع إن شاء الله....المطلب الثاني : من السنـــة

  3. #3
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut




    المطلب الثاني : من السنـــة
    لقد قامت الأدلة الكثيرة من السنة على يسر التكاليف الشرعية وأن الله تعالى رفع الحرج والمشقة على العباد ومن ذلك :
    قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"( ). فقد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الدين فجعله اليسر نفسه، وجعله الغالب لكل متنطع فيه بمرونته ، وما على الناس إلا أن يلزموا السداد في أقوالهم وأفعالهم، وأن يقاربوا في فهم الدين..."( ) ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"( ) ومن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون"( ). وقال صلى الله عليه وسلم : "بعثت بالحنيفية السمحة ومن خالف سنتي فليس مني"( ) وقال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة : "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"( ). وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه"( )...
    المطلب الثالث : الإجمــــاع
    لقد قام الإجماع على عدم التكليف بالشاق، وذلك أن الإجماع قد انعقد بين علماء الأمة على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في أمور الدين، ولو كان ذلك واقعا لحصل التناقض والاختلاف في الشريعة، وذلك منفي عنها، لأن الأدلة على سماحة الشريعة أكثر من أن تحصر، فأحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير.( )
    ومن أجل ذلك أباح الشارع الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض، وسهل الأمر بالاستعانة بالغير وكالة وإيداعا وشركة ومضاربة ومساقاة، وأجاز الاستيفاء من غير المديون حوالة، ...
    وثبت ذلك أيضا في مشروعية الرخص، فهذا أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة بالضرورة، كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في حالات الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة أو التيسير والتسهيل على الناس... وما جاء في النهي عن التكلف ، وعن كل ما يسبب الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشارع قاصدا المشقة في التكليف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف.
    المبحث الثالث : أركــان القاعــدة
    إن الحديث عن قاعدة "المشقة تجلب التيسير" يستوجب الحديث ولو باختصار عن قضيتين هامتين لا يمكن إغفالهما في هذا الباب وهما : الرخصة والمشقة لتعلقهما وارتباطهما الشديد بالموضوع ولما ينتج من إغفالهما من لغط وخلط في فهم القاعدة.
    المطلب الأول : الركن الأول : المشقــــة
    الفرع الأول : مفهوم المشقة : المشقة لغة معناها : الجهد والتعب والشدة والعناء، يقال : شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة إذا أتعبه،( ) ومنه قوله تعالى : "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس"( ).
    والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي هذه المشقة التي تكون داعية للتخفيف ؟
    وهذا يستلزم الحديث عنه في فرع خاص :
    الفرع الثاني : ضوابط المشقة المقتضية للتخفيف
    وهنا وجب أن يعلم أن المشقات على نوعين :
    *نوع ملازم للعبادات. *ونوع غير ملازم للعبادات.( )
    فالمشقة الملازمة للعبادة، بحيث لا تنفك عنها، كمشقة الوضوء في البرد، ومشقة الصلاة والصيام في الحر، ومشقة الجهاد، ومشقة إقامة الحدود على من وجبت عليه، خصوصا إذا كانوا من الأقارب، إلى غير ذلك من المشاق التي لا تنفك عنها العبادات، فهذه لا تخفيف فيها، بل لابد من تحملها لأنها طبعية، والمكلف يستطيع تحملها، ولو فتح باب التخفيف لوقع التهاون في العبادات، ولتخلفت مقاصدها الشرعية،( ) فالمشقة الملازمة للعبادة إذن لا ينتج عنها تخفيف.
    فلا شك إذن أن المشقة التي شرعت التخفيفات إلى جانبها إنما هي المشقة غير المعتادة، ويقصد بها : الزائدة عن الطاقة، كما يفهم من النصوص التي جاءت بالتكليف بما في الوسع، وهي التي لا يتحملها الإنسان عادة، وتفسد على النفوس تصرفاتها، وتخل بنظام الحياة، وتعطلها عن القيام بمنافع الأعمال غالبا،( ) وتنقسم هذه المشاق إلى ثلاثة أقسام :
    مشقة عظيمة فادحة : وتقع في المرتبة العليا : وذلك كالخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، وهي مشقة موجبة للتخفيف، لأن عدم التخفيف قد يفضي إلى إتلاف النفوس والأعضاء، وفي ذلك تفويت للعبادة.
    مشقة خفيفة وتقع في المرتبة الدنيا : كألم بسيط في أصبع، وأدنى صداع في الرأس وتلك التي يتحملها المكلف مع يسير من الصبر، فهذه المشقة لا أثر له في التخفيف، لأن تحصيل منافع العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها.
    مشقة متوسطة بين القسمين السابقين : وهذه ينظر فيها، فإن كانت مشقة قريبة من المشقة العظيمة ألحقت بها. وإن كانت قريبة من المشقة الخفيفة ألحقت بها فلا تستوجب إذاك التخفيف. كمريض يخاف من الصوم زيادة المرض أو بطء البرء فيجوز له الفطر، وهكذا في التيمم... والمعول في ذلك على قناعة المكلف بنفسه، فإن وجد حرجا واقتنع بذلك ألحقها بما يوجب التخفيف وإلا كانت خفيفة.( )
    وهنا سؤال يطرح نفسه بقوة وهو : ما هي الضوابط التي تعرف بها المشقة التي توجب التخفيف وما هي المشقة التي لا توجبه ؟
    إن معرفة هذه الضوابط قد يكون مسلكها النص، كالسفر والخطأ مثلا... مما نص الشرع عليه، فهذه ضوابط لا إشكال في اعتبارها وأنها مؤثرة بالتخفيف في كل المشاق الداخلة فيها، وقد لا يكون للمشقة تحديد من الشرع، فحينئذ يرجع في تحديدها وضبطها إلى التقريب استعانة بقواعد الشرع وأصوله، فإذا أردنا تحقيق المشقة في عبادة من العبادات، بحثنا عن أدنى مشاق تلك العبادة، واتخذناه مقياسا في التخفيف أو عدمه، وذلك أن ما ساوى ذلك الأدنى أو زاد عليه كان موجبا للتخفيف، وما نزل عنه لم يوجب التخفيف. مثال ذلك : أن التأذي بالقمل في الحج يبيح الحلق، فيكون كل مرض مثله أو أعلى منه مبيحا للحلق، وإذا نزل عن ذلك فلا يبيح والسفر مبيح للفطر، فتكون كل مشقة مساوية له أو زائدة عليه مبيحة للفطر وما نزلت عنه فلا تبيحه وهكذا...( )
    وهنا حق لنا أن نتساءل : هل يجوز للمكلف أن يتعبد الله بما يحصل له به حرج ومشقة ويلحقه به ضرر أو لا ؟ والجواب نعم. إذا كان المبالغة في الدين والإفراط في العبادة مطاقا عند المكلف بحيث لا يترتب على ذلك بغضه للعبادة، ولا تفريطه في التكاليف الشرعية الأخرى، فإنه لا يكون منهيا عن ذلك حينئذ، بديل قوله صلى الله عليه وسلم : "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"( ). إذ أن إحراج النفس وإرهاقها بالعبادة إنما كان منهيا عنه للخوف من بغض النفس للعبادة أو عجزها عن القيام بالوظائف الشرعية الأخرى، والنصوص الشرعية الواردة في هذا الباب معللة بهذين الأمرين : فإن زالت العلة زال النهي عن المعلول، فكل من أراد التوغل في نوع من الطاعات ليس له ذلك إلا بقدر ما يحافظ به على المطلوبات الشرعية الأخرى... وهذه درجة لا يصلها إلا الأنبياء والمقتفون أثرهم من الأبرار السابقين.( )
    وكخلاصة لما مضى فإن المشقة التي توجب التخفيف، هي المشقة التي لا يتحملها الإنسان عادة. فمثل هذه المشقة تصعب على المكلف القيام بالتكليف على الوجه الأكمل، وتحقيقا لمبدأ اليسر ورفع الحرج الذي قررته الشريعة، شرعت التخفيفات.


    ثم نرى إن شاء الله أنواع التخفيفات و هذا في الدرس القادم...

  4. #4
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut



    الفرع الثالث : أنواع التخفيفات
    إن مظاهر التخفيف في الشريعة كثيرة، منها ما هو في العبادات، ومنها ما هو في المعاملات، ومنها ما هو في العقوبات، وما يتصل بها، وقد ذكر السيوطي أن تخفيفات الشرع قد استوعبت ذلك كله وأهم أنواع هذا التخفيف ما يأتي
    تخفيف إسقاط : فقد يسقط التكليف عن المكلف، ويعفى منه بالمرة إذا قام له عذر شرعي يؤكد عدم قدرته على القيام به، ومن أمثلة ذلك سقوط الصوم والحج والجهاد عن العاجز عنها.
    تخفيف النقصان : كقصر الصلاة للمسافر.
    تخفيف إبدال : فيجوز للمكلف بمقتضى ذلك الانتقال من الواجب إلى بدله عند قيام العذر، كانتقاله من الوضوء إلى التيمم، أو من القيام في الصلاة إلا القعود.
    تخفيف التقديم : كالجمع بين الصلاتين فتقدم صلاة العصر إلى الظهر وصلاة العشاء إلى المغرب. وتقديم الكفارة على الحنث.
    تخفيف التأخير : كتأخير صلاة الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء، وتأخير صيام رمضان للمريض والمسافر.
    تخفيف ترخيص : كشرب الخمر لإزالة الغصة، وكأكل لبعض المحرمات للضرورة.
    قال السيوطي رحمه الله : واستدرك العلائي سابعا : وهو تخفيف تغيير، كتغيير نظم الصلاة عند الخوف
    فالمكلف له أن يتمتع بهذه التخفيفات والرخص، ويثاب عليها كما يثاب أصحاب العزائم ما دام له عذر شرعي يسمح له بذلك. لكل السؤال هنا، ما هي الرخص والعوارض التي تسوغ للمكلف التمتع بهذه التخفيفات ؟
    المطلب الثاني : الركن الثاني : الرخصــــة
    الفرع الأول : مفهوم الرخصــــة
    الرخصة معناها في اللغة : السهولة واليسر في الأمر والتسهيل فيه
    وفي الاصطلاح : عرفها الشاطبي رحمه الله بقوله : "هي ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه"( ). أو هي "ما ثبت على خلاف الأصل بدليل شرعي راجح أو هي ما شرع لعذر مع قيام الدليل المحرم لوا العذر
    فالرخصة مشروعة لدفع المشقة ورفع الحرج، وهي مستثناة من أصل كل كقولهم : كأكل الميتة حرام إلا للمضطر، وصلاة الظهر أربع والعصر أربع والعشاء أربع إلا في السفر فإنه يباح قصرها.
    والرخصة تقابل العزيمة. والعزيمة هي ما شرعت ابتداء ويكون الفعل فيها ليس سببه وجود مانع، وهما وصفان للحكم.
    فالشريعة وضعت رحمة بالمكلف، تخفف هذه الأحكام وتبدلها بما يقع تحت قدرة المكلف تيسيرا عليه ودفعا للإحراج. ولأجل ذلك شرعت الرخص للعوارض التي تصيب الإنسان. سواء أكانت هذه العوارض جبرية سماوية أو كانت عوارض مكتسبة غير سماوية
    الفرع الثاني : العوارض المبيحة للترخص المسببة للتخفيف.
    أ-العوارض السماوية المبيحة للترخص / المسببة للتخفيف
    الصغر : فالصغر يرفع التكليف ويسقط به ما يحتمل السقوط، لأن التكليف مناطه البلوغ.
    الجنون : وتسقط به كل العبادات لأن التكليف مناطه العقل، ويعبر عن هذين الإثنين بالنقص.
    العته : والعته أدنى درجة من الجنون أو هو نوع منه يمنع العهدة، ويصح من المعتوه ما لا عهدة فيه، فهو كالصبي المميز.
    النسيان : ويكون عفوا من حقوق الله تعالى، وهو عذر في سقوط الإثم لا في حقوق العباد.
    النوم : ولما كان عجزا عن استعمال القدرة وجب تأخير الخطاب بالنوم ولم يمنع الوجوب والنوم مناف للاختيار، ومثل النوم الإغماء إلا إذا امتد فيسقط به الأداء، وذلك إذا زاد عن يوم وليلة.
    المرض : وشرعت عليه العبادات بالمقدرة الممكنة.
    الحيض والنفاس : وهما لا يعدمان الأهلية ولكن تسقط بهما الصلاة دفعا للحرج.
    الموت : يسقط كل التكاليف الدنيوية، ويبقى للميت ما تقتضي به الحاجة من تجهيز وديون ووصايا.
    ب-العوارض المكتسبة : ومنها :
    الجهل بالشريعة في دار الحرب من مسلم لم يهاجر إلى المسلمين، فيعذر بالجهل بالأحكام، ويلحق به جهل الشفيع بالبيع حيث يعذر بالجهل ويكون له حق الشفعة حين يعلم.
    السفه : إذ يحجر على السفيه في ماله نظرا له، ويراد بالسفه الإساءة بالتصرف في المال، والسفه من أسباب التخفيف.
    الخطأ : وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى، والإكراه عذر وله رخص معلومة. ويمكن التعبير عنها بشكل آخر فيما يلي :
    السفر : فيجوز فيه القصر في الصلاة والجمع، والإفطار في رمضان.
    المرض : فيجوز فيه التيمم بدل الوضوء. وترك القيام في الصلاة إلى الصورة التي قدر عليها المريض.
    الإكراه : فيجوز لمن أكره على فعل شيء أن يفعله تخليصا لنفسه من الهلاك. ولا يلزم المكره شيء من ذلك لقيام العذر الشرعي وهو الإكراه.
    الخطأ والنسيان : ذلك أن الشارع لو أنه ألزم المكلف بكل ما صدر عنه من العقود والتصرفات خطئا أو نسيانا، أو تحت ضغط الإكراه، لكان في ذلك مشقة وحرج عليه، لذلك أعفاه منها ولم يحمله تبعتها، إلا أن يتعلق بحقوق الناس.
    الجهل : كان يجهل الشفيع ببيع شريكه : فإنه يعذر بذلك في تأخير طلب الشفعة.
    الاضطرار : كأكل الميتة عند من اضطره الجوع إليها...
    العسر وعموم البلوى : ومن أمثلة ذلك : إباحة النظر إلى الأجنبية عند التطبيب أو الشهادة أو الخطبة، والاكتفاء في الاجتهاد بغلبة الظن، فلو كان ذلك محظورا لشق على الناس التعامل بينهم ولفاتهم الكثير من المصالح التي تقوم عليها حياتهم.
    النقص : والمراد به نقصان جهة التكليف بما يسقط معه التكليف كله أو بعضه. وذلك كالصغر والجنون، فهما يسقطان التكليف عن الصبي والمجنون، وكالعبودية والأنوثة، فإنهما يسقطان بعض التكاليف عن العبد والمرأة.
    هذه إذن أهم الأسباب التي تعطى للمكلف حق التمتع بالرخص والتخفيفات، والمدار في ذلك كله

    على أن أي شق معه لتكليف فإنه ينتهض عذرا للتخفيف والتيسير

    سنذكر إن شاء الله في الدرس القادم بعض تطبيقات القاعدة و فروعها

  5. #5
    Membre snior Avatar de El Moumina
    Inscrit
    janvier 2006
    Localisation
    Loin de mon pays l'Algrie :(
    Messages
    3 224

    Par dfaut



    جزاكم الله خيرا على هذه الأنوار التي أضاءت هذا الركن المبارك .
    نتابع ما تكتبونه باهتمام كبير سيدي
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة

  6. #6
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut


    وعليكم السلام و رحمة الله
    الله يرضى عنك سيدتي و بارك الله فيك على كل ما تتحفين به من أعمالك الرائعة فلك خير الجزاء.

  7. #7
    Membre dbutant
    Inscrit
    janvier 2007
    Messages
    321

    Par dfaut

    هذه إذن أهم الأسباب التي تعطى للمكلف حق التمتع بالرخص والتخفيفات، والمدار في ذلك كله على أن أي شق معه لتكليف فإنه ينتهض عذرا للتخفيف والتيسير

    المبحث الرابع : تطبيقات القاعدة وفروعها
    المطلب الأول : تطبيقات قاعدة المشقة تجلب التيسير
    من أهم تطبيقات هذه القاعدة ما يلي

    عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض لتكرارها بخلاف الصوم

    مشروعية البيع لمبيع موصوف في الذمة مع النهي عن بيع المعدوم والاكتفاء برؤية ظاهرة الصبرة، وبارز الدار عن أساسها.
    إباحة الجمع بين أربعة نسوة، فلم يقتصر على واحدة تيسيرا على الرجال، وعلى النساء أيضا لكثرتهن، ولم يبح الزيادة عن أربع لما فيه من المشقة على الزوجين في القسم وغيره.
    مشروعية الطلاق، لما في البقاء على الزوجية من المشقة عند التنافر، وكذا مشروعية الخلع والرجعة في العدة.
    مشروعية الكفارة في الظهار، تيسيرا على المكلفين لما في التزام موجب ذلك من المشقة عند الندم.
    مشروعية التخيير بين القصاص حتما ولا دية وفي شرع سيدنا عيسى عليه السلام، الدية والقصاص.
    إسقاط الإثم على المجتهد في الخطأ تيسيرا على المجتهدين بالاكتفاء بالظن، إذ لو كلفوا الأخذ باليقين لشق عليهم ذلك.
    عدم تكليف الصبي والمجنون، وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة والجهاد...
    المطلب الثاني : فروع القاعدة أو القواعد المندرجة تحتها
    رأينا فيما سبق أن قاعدة : "المشقة تجلب التيسير" قاعدة تتربع على قمة هرم القواعد الفقهية، وبذلك يندرج تحت هذه القاعدة عدد كبير من القواعد تتعلق عموما بالمشقة والضرر، وقد حددها الدكتور الروكي في القواعد الآتية :
    الحرج مرفوع.
    الضرر يزال.
    ما لا يمكن التحرز منه معفو عنه.
    الضرورات تبيح المحظورات.
    يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.
    الضرورة تقدر بقدرها.
    ما جاز لعذر بطل بزواله.
    كل رخصة أبيحت للضرورة والحاجة لم تستبح قبل وجودها.
    الرخص لا تناط بالمعاصيإذا ذاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق
    الضرورات تنقل الأصول من بابها، وتغير موجباتها.
    الضرران إذا تقابلا فالأول أولى بالمراعاة.
    الفضيلة في الطاعات بكثرة المشاق.
    الرخص لا تتعدى بها مواضعها.
    الضرورة لا تعتبر بالاختيار.
    -الضرورات تسقط معها أحكام الاختيار
    الحاجة تنزل منزلة الضرورة.
    الاضطرار لا يبطل حق الغير.
    إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل.
    وإنه لا يسعنا في هذا المقام أن نبسط القول في كل هذه القواعد الفرعية المندرجة تحت قاعدة "المشقة تجلب التيسير" غير أننا سنحاول أن نبين باختصار "قاعدة ما لا يمكن الاحتراز منه معفو عنه" والضرورات تبيح المحظورات، "الضرورة تقدر بقدرها


    أولا : قاعدة : ما لا يمكن التحرز منه معفو عنه
    ومعنى هذه القاعدة أن ما لا يستطيع المكلف التحفظ منه، والابتعاد عنه، من الأمور المطلوب منه تركها لكونها تفسد عبادته ومعاملاته، يتجاوز عنه، ولا يؤاخذ به، لأنه خارج عن حدود طاقة المكلف، وفيه حرج ومشقة وهما مرفوعان عن المكلف كما مضى ذكره.
    ومن أمثلة القاعدة : صحة الصيام مع ابتلاع غبار الطريق، وابتلاع الدقيق عند غربلته، وبقايا الماء في الفم عند المضمضة، لأن الصائم ليس في مقدوره التحرز من مثل هذه الأمور، ومن أمثلتها في المعاملات : جواز البيع مع ما قد يقع فيه من يسر الغرر الذي لا يمكن الاحتراز منه، كبيع الفستق والبندق والرمان، والبطيخ وكل ما يباع في قشرته من الثمار والفواكه.
    ثانيا : قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات
    ودليلها قوله تعالى : "ولقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه"
    ومن أمثلتها أكل الميتة والخنزير للمضطر الذي يخشى أن يموت جوعا، وشرب الخمر الذي يخاف أن يموت عطشا أو غصة وغيرها من المحرمات التي قد يضطر إليها الشخص لإنقاذ نفسه من موت أو مرض، أو ما في معناهما من الضرر البين، وهو توسع منسجم مع روح الشريعة التي تدعو إلى رفع المشقة والضرر... ويدخل في الضرورة الإكراه، فهو حالة من حالاتها، فمن أكره بالقتل أو بإتلاف بعض أعضائه على فعل المحرم جاز له ذلك لأنه مضطر، ويستثنى من ذلك القتل والزنا. فأما القتل فقد اتفاق الفقهاء على أن من أكره على قتل أخيه فإنه لا يجوز ذلك بحال، لأن الضرر لا يزال بالضرر
    وأما الزنا فقد اختلفوا فيمن أكره عليه هل يجوز له الإقدام عليه أم لا ؟ فمنعه الكثير من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، وجوزه البعض اعتبارا بالضرورة.
    ومثل ذلك أيضا المرأة التي يضطرها الجوع إلى الزنا، فعلى مذهب المالكية يجوز لها ذلك وقيد ذلك بحالة ما إذا لم تجد ما تسد به رمقها ولو من المحرمات كالميتة والخنزير
    والاضطرار غير القهر والغلبة، فالمرأة المغلوبة على أمرها، المزنى بها قهرا لاشيء عليها اتفاقا وفقها لا تملك أمر نفسها، ولأن مرتبة القهر والغلبة أعلى من مرتبة الاضطرار، لأن المضطر مخير بين إبقاء نفسه أو هلاكها، أما المقهور المغلوب على أمره، فلا خيار له في شيء.
    ثالثا : الضرورة تقدر بقدرها
    وهذه القاعدة قيد لسابقتها، ومعناها أن المضطر إلى المحرم، إنما يباح له منه ما يدفع عنه الهلاك والخطر، فالمضطر إلى أكل الميتة إنما يجوز له من ذلك ما ينقذ به نفسه من الهلاك، والمضطر إلى كشف عورة الغير للتطبيب مثلا، إنما يجوز له من ذلك ما يحتاج إليه للكشف والعلاج وهكذا...




    من خلال ما ذكر، نستخلص أهم الخلاصات والاستنتاجات التي توصلنا إليها. ويمكن إجمالها فيما يلي :
    قاعدة المشقة تجلب التيسير تحتل موقعا خطيرا ومهما بين القواعد الفقهية، يجعل الفقيه في حاجة ماسة للاطلاع على كل ما يخصها حتى ينضبط اجتهاده.
    الدراسات التي دارت حول القاعدة ليست كافية، ولا توفيها حقها باعتبارها قاعدة مركزية بين القواعد الفقهية.
    قاعدة المشقة تجلب التيسير، تصلح لأن تكون أساسا محوريا عند سن القوانين، ووضع الأنظمة للمؤسسات بأنواعها، مما يجعل القوانين منطقية وقابلة للتطبيق، ومثمرة في نفس الوقت، لأن هذه القاعدة جزء من طبيعة حياة الإنسان وواقعه الذي يعيشه.
    كم نتمنى أن تظهر بحوث تبرز هذه القاعدة أكثر، وخاصة فيما يخص طرق الاستفادة منها في الوقت الحاضر في سن القوانين.
    أرجو أن يتوسع عرضنا مستقبلا لتتاح لنا فرصة التعرف بشكل عملي على كيفية الاستفادة من هذه القواعد الكلية عند الاستنباط.
    وليس فيما سبق إلا لمحة خاطفة عن هذه القاعدة، ومحاولة لإثارة الانتباه إليها أكثر، عسى أن تزدحم أقلام الباحثين على هذا الموضوع، فتغنيه من كل جوانبه، وتتوسع فيه، وإنني اعترف بالقصور والتقصير في الموضوع، غير أنني حاولنا في بيانه ما استطعنا، ولم آل في ابتدار المقصود جهدا لمقل جاد بالموجود من الوقت والجهد، والله أستهدي إلى الصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه و سلم، والحمد لله رب العالمين.


    انتهى البحث

  8. #8
    Modrateur Avatar de razes10
    Inscrit
    janvier 2006
    Localisation
    France
    Messages
    7 656

    Par dfaut Re : قاعدة المشقة تجلب التيسير

    قرأته و أعجبني كثيرا ، فهو موضوع في غاية الأهميّة، ما أحوجنا إليه اليوم
    بوركتم سيدي الشيخ نبيل

    بس
    م الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    اللهم صل على سيدنا محمد صلاةً تكرمنا بها بنور الفهم من ظلمات التردد والوهم وتوضح لنا بها ما أشكل حتى يفهم وتفتح علينا بها فتوح العارفين وتجعلنا بها من العلماء العاملين المخلصين ومن خيرة خلقك وصفوة عبادك وأحبابك وأهل طاعتك وحفظة كتابك يا أرحم الراحمين


Rgles des messages

  • Vous ne pouvez pas crer de sujets
  • Vous ne pouvez pas rpondre aux sujets
  • Vous ne pouvez pas importer de fichiers joints
  • Vous ne pouvez pas diter vos messages
  •